الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
127
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
موضعه من كثرة ماله ومواشيه فقالوا له ارحل عنا فقد آذيتنا بمالك أيها الشيخ الصالح وكانوا يسمونه بذلك فقال لهم نعم فلما همّ بالرحيل قال بعضهم لبعض جاءنا وهو فقير وقد جمع عندنا هذا المال كله فلو قلنا له أعطنا شطر مالك وخذ الشطر فقالوا له ذلك فقال لهم صدقتم جئت وكنت شابا فردّوا علىّ شبابي وخذوا ما شئتم من مالي فخصمهم ورحل فلما كان وقت ورود الغنم الماء جاءوا يستقون فإذا الآبار قد جفت فقال بعضهم لبعض الحقوا الشيخ الصالح واسألوه الرجوع إلى موضعه فإنه ان لم يرجع هلكنا وهلكت مواشينا فلحقوه فوجدوه بالموضع الذي يعرف بالمغارة وسألوه أن يرجع فقال إني لست براجع ودفع لهم سبع شياه من غنمه وقال اذهبوا بها معكم فإنكم إذا أوردتموها البئر ظهر الماء حتى يكون عينا معينا ظاهرا كما كان واشربوا ولا تقربها امرأة حائض فرجعوا بالاعنز فلما وقفت على البئر ظهر الماء فكانوا يشربون منها وهي على تلك الحالة وأتت امرأة حائض واغترفت فغاض ماؤها ورحل إبراهيم عليه السلام ونزل اللجون فأقام بها ما شاء اللّه ثم أوحى اللّه إليه أن انزل ممرى فرحل ونزل عليه جبريل وميكائيل بممرى وهما يريدان قوم لوط فخرج إبراهيم ليذبح العجل فانفلت منه ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون فنودي يا إبراهيم سلم على عظام أبيك آدم فوقع ذلك في نفسه ثم ذبح العجل وقرّبه إليهم وكان شأنه ما قص اللّه عز وجل في كتابه فمضى إبراهيم معهم إلى قريب من ديار لوط فقالوا له اقعد هاهنا فقعد وسمع صوت الديك في السماء فقال هو الحق اليقين فأيقن بهلاك القوم فسمى ذلك الموضع مسجد اليقين وهو على نحو فرسخ من بلد إبراهيم عليه السلام ثم رجع إبراهيم * أوّل من شاب إبراهيم قال أهل السير أوّل من شاب من بني آدم إبراهيم عليه السلام ولما رأى الشيب في لحيته قال يا رب ما هذا أجيب بأنه وقار قال رب زدني وقارا وفي رواية قال الحمد للّه الذي بيض القار وسماه الوقار * وفي كتاب المغازي لابن قتيبة لما ولد إسحاق من سارة تعجب الكنعانيون فقالوا ألا ترون هذا العجوز والعجوزة تبنيا لقيطا ولم يكونوا يصدّقون أن يولد لإبراهيم ولد إذ عمره تجاوز المائة فجعل اللّه صورة إسحاق شبيهة بإبراهيم بحيث لما التحى لم يفرق بين الأب والابن فجعل اللّه الشيب علامة لإبراهيم يمتاز به عن إسحاق * وفي شفاء الغرام والعرائس عاشت سارة مائة وسبعا وعشرين سنة * وفي العرائس ماتت سارة بالشأم بقرية الجبابرة من أرض كنعان في حبرون فدفنت بمزرعة اشتراها إبراهيم وكانت هاجر قد ماتت قبل سارة بمكة ودفنت في الحجر * قيل عاش إبراهيم بعد سارة خمسين سنة * وفي الانس الجليل عن كعب الأحبار أوّل من دفن في حبرون سارة وذلك لما ماتت خرج إبراهيم يطلب موضعا ليقبرها فيه رجاء أن يجد بقرب ممرى موضعا فمضى إلى عفرون وكان ملك الموضع وكان مسكنه حبرى فقال له إبراهيم بعني موضعا أقبر فيه من مات من أهلي فقال عفرون قد أبحتك ادفن حيث شئت من أرضى قال إني لا أحب الا بالثمن فقال له أيها الشيخ الصالح ادفن حيث شئت من أرضى فأبى عليه وطلب منه المغارة فقال له أبيعكها بأربعمائة درهم وزن كل درهم خمسة دراهم وكل مائة درهم ضرب ملك وأراد بذلك التشديد عليه كيلا يجد فيرجع إلى قوله وخرج إبراهيم من عنده فإذا جبريل فقال له ان اللّه قد سمع مقالة الجبار وهذه الدراهم ادفعها إليه فأخذها إبراهيم ودفعها إلى الجبار فقال له من أين لك هذه الدراهم فقال له من عند الهى وخالقي ورازقى فأخذها منه وحمل إبراهيم سارة ودفنها في المغارة فكانت أوّل من دفن فيها وتوفيت وهي بنت مائة وسبع عشرة سنة وقيل مائة وسبع وعشرين سنة وعاش إبراهيم مائتي سنة وعليه أكثر العلماء وقيل مائة وخمسا وتسعين سنة وقيل مائة وخمسا وسبعين سنة كذا في الحدائق * ( ذكر وفاة إبراهيم عليه السلام ) * قال أهل السير لما أراد اللّه قبض روح إبراهيم أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليضعها في فيه